من فكرة عابرة إلى أثرٍ ثقافي

12 نوفمبر 2025
فاطمة آل بودي
من  فكرة عابرة إلى أثرٍ ثقافي


من فكرة عابرة إلى أثرٍ ثقافي: كيف بدأ حلم "الشرقية تقرأ"؟


في مرحلةٍ ما من الرحلة القرائية، يدرك القارئ أن القراءة الفردية على عمقها ولذّتها, لم تعد تكفي.

تلك اللحظة التي تغلق فيها كتابًا مسّ أعماقك، وتجد أن فكرة اشتعلت في داخلك فتبحث عن من يلتقطها، من يناقشك فيها، من يُشبهك, أو حتى يختلف معك باحترام ووعي يُثري الفكرة ويمنحها حياة أوسع.

عندها يبدأ القارئ في البحث عن بيئة تُشبهه، ومجتمع يُغذي شغفه، ويدفعه إلى مزيد من الاكتشاف.

ينتقل من نادٍ إلى آخر، يختبر التجارب، يُبصر الفروق، ويكتشف أن لكل نادٍ سمتُه الخاصّة، وأن العثور على النادي المناسب ليس وصفة جاهزة، بل رحلة مليئة بالإلهام والتحديات معًا.


لماذا يبحث القارئ عن نادٍ؟

لأن التجربة الفردية، مع الوقت، تتطلب ما هو أكثر من القراءة الصامتة, فتتلخص مُبرراته في أنهُ:

● يريد أن يتبادل وجهات النظر ويعيش تجربة نقاش ثرية.

● يحتاج إلى بيئة تُشبهه فكريًا وثقافيًا.

● يبحث عن تحفيزٍ وانضباط يعيد له شغفه.

● يريد أن يتجاوز مرحلة التلقّي وينتقل إلى مرحلة التحليل والمشاركة والفهم الجماعي.

● يسعى للتنوّع، للخروج من دائرة ذائقته المعتادة.

● وربما، يود أن يصنع فرقًا ويؤثر من خلال قيادة النقاشات واختيار الكتب, وبناء العلاقات التي قد تفتح له أبواب جديدة في عالمه.


فكرةٌ كامنة بقيت في الذهن لسنوات

منذ وقت طويل، راودتني فكرة إنشاء دليل قرائي يُعرّف بنوادي القراءة في المنطقة الشرقية… أو على الأقل قاعدة بيانات تُسهّل على القارئ رحلته، وتوثّق الحراك الثقافي المتنامي, ولأنني أحتاج هذا الدليل لي شخصيًا وكُنت اتفاجىء بين الحين والآخر بنوادي جديدة ومجتمعات حديثة بمجالات متعددة, راقتني الفكرة وعزمت على تنفيذها.

بدأت أولى الخطوات عندما كنت أعمل في جمعية قرطبة للقراءة، عام 2021م حيث جمعنا بيانات أوّلية وقمنا بإعداد استبيانات قرائية في محاولة لقياس المشهد, لكن المشروع توقّف حينها، وغاب في زحمة المهام… وظلّ حلمًا مؤجّلًا.

و في أحد الصباحات الهادئة ,بعد استقالتي بسنتين تقريبًا, تلقيت اتصالًا من المديرة التنفيذية لجمعية قرطبة تقول لي فيها:

"فاطمة، نريد استكمال الحلم الذي بدأ معك... هل أنتِ مستعدة؟"

تلك الجملة كانت كفيلة بإشعال جذوة الحماسة من جديد.

عُدت بشغف للعمل على مشروع الدليل القرائي لنوادي المنطقة الشرقية مع فريق قرطبة.

الطريق لم يكن يسيرًا, واجهنا تحديات كبيرة في التواصل مع الجهات، تحديث البيانات، ضعف التفاعل، صعوبة الوصول لبعض النوادي…

ولكن فريق الجمعية كان عظيمًا في مثابرته واجتهاده, إلى أن استلمت كافة البيانات الخاصة بالنوادي وبدأت مرحلة بناء المحتوى الرسمي للدليل.


من حبر الورق إلى أثرٍ حيّ

بعد شهرين من العمل المتواصل, اكتملت المسودة، وبدأنا في صياغة المحتوى وتصديره, بعد أن تم عرضه على بعض المختصين واعتماده, ومن ثم انطلقنا في مرحلة التصميم، التي كانت بالنسبة لي الأكثر إلهامًا وإمتاعًا. أن ترى حلمك يتحوّل من فكرة إلى ملف حيّ، بتصميم نابض وشخصية واضحة، كان شعور لا يُوصف.

عملنا على بناء الهوية البصرية للدليل، مع صديقتي الملهمة المصممة والشريكة في المشروع, التي أجزم أنه كان لها الدور الأكبر في إخراج الدليل كما هو اليوم, وبعد عصف ذهني ومقترحات متعدّدة، استقر الاسم على:

"الشرقية تقرأ" ليكون عنوانًا يُجسّد الحراك القرائي في المنطقة، ودليلًا يُحدث ويُنمّى سنويًا.


الشراكة التي أسهمت في التمكين

وقبيل الإطلاق، شاء الله أن نحظى بشراكة استراتيجية مع شركة نجيب الزامل للشراكة المجتمعية، فكان للدليل بُعدٌ أعمق, وأكبر مما كُنا نتوقع.

كان إيمان فريق الشراكة بأثر القراءة وعمق رسالتها واقعًا حقيقيًا, حيث نقل هذا المشروع إلى بُعد تنفيذي ومستدام ,و وفاء لروح القارئ الراحل نجيب الزامل – رحمه الله – الذي كان عرّابًا لكل مبادرة حيّة تُثري المجتمع.


حين يُصبح الحلم واقعًا

تم إطلاق المشروع بفضل الله ,ونال الدليل في نسخته الأولى استحسانًا واسعًا لدى القراء والمُهتمين، وبدأنا بالفعل في استقبال المقترحات لتطوير نسخة 2026م.

واليوم، وأنا أكتب هذه التدوينة، أتأمل الحلم الصغير الذي بدأ بفكرة, وبتوفيق الله رأى النور وأمتد أثره, وأُدركته أهميتُه لدى الفرد والمجتمع.

أشعر بامتنان عميق أنني قُدت هذا المشروع مع فريق عظيم آمن ودعم وسعى.

شكرًا لجمعية قرطبة التي تحتضن الأفكار لتصنع منها مشاريع حيّة.

شكرًا لفريق العمل الذي منح المشروع من جهدًا وقيمه، وشكرًا لكل قارئ سيجد في هذا الدليل بوابة لاكتشاف ذاته.



📘 أطلعوا على الدليل القرائي "الشرقية تقرأ"

وساهموا في نشره ومشاركته مع من تحبون، فقد يكون ذلك الجسر الذي يصل قارئًا جديدًا إلى مجتمعه القرائي الأول…

وقد تكون أنت السبب في بداية رحلة لا تُنسى.